شفق نيوز – بغداد
حذرت مؤسسة “عراق المستقبل” للدراسات والاستشارات الاقتصادية، اليوم الجمعة، من تداعيات خفض قيمة الدينار العراقي مقابل الدولار الأمريكي، مؤكدة أن سلبيات مثل هذه الخطوة -في حال إقدام الحكومة الاتحادية عليها- ستفوق إيجابياتها المؤقتة على اقتصاد البلاد.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تتزايد فيه النقاشات الأوساط السياسية والمالية حول إمكانية تخفيض قيمة العملة المحلية كخيار لمواجهة العجز الراهن وتخفيف الضغط عن الموازنة العامة، خصوصاً بعد تراجع الإيرادات الحكومية بشكل حاد لتصل إلى 10% فقط مقارنة بمستوياتها السابقة قبيل النزاع العسكري الأخير في المنطقة وانفراجة مضيق هرمز.
ونقل التقرير عن رئيس المؤسسة، الخبير الاقتصادي منار العبيدي، قوله، إنه “رغم تأكيدات التقارير الرسمية على ثبات السياسة النقدية وسعيها للاستقرار، يبقى من الضروري تحليل ايجابيات وسلبيات هذا التوجه لتقييم أثره الحقيقي على الاقتصاد والمجتمع العراقي”.
مكاسب مالية جزئية
وأوضح التقرير أن المؤيدين لخيار خفض الدينار يستندون إلى جملة من المكاسب المالية والنقدية؛ أبرزها توفير خيار مالي جزئي يسهم في تقليص النفقات الحكومية المقومة بالدينار (كالرواتب المحلية)، مما يقلل بدوره من حجم الإنفاق الكلي بالدولار.
كما يرى المؤيدون أن ارتفاع أسعار السلع المستوردة سيعزز تنافسية المنتج الزراعي والصناعي المحلي، فضلاً عن حماية الاحتياطيات النقدية من الاستنزاف المستمر، وتقليص الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازي.
مخاطر “الدولرة” والركود
في المقابل، حذرت المؤسسة من تداعيات وخيمة قد تبدد هذه المكاسب، وفي مقدمتها فقدان الثقة التامة بالعملة الوطنية.
وبهذا الصدد، بيّن العبيدي أن “التغيير المستمر في قيمة العملة بمعدل كل سنتين يزعزع ثقة الجمهور بالدينار، مما يدفع القطاع الخاص والمواطنين إلى اعتماد الدولار كعملة أساسية في التعاملات اليومية والتجارية”.
وأضاف أن هذه “الدولرة” ستخلق طلباً هائلاً على العملة الصعبة في السوق الموازي، مما قد يتسبب في توسيع الفجوة السعرية بدلاً من تقليصها نتيجة شح المعروض الرسمي، محذراً من أن غياب استقرار الصرف سيؤدي حتماً إلى طرد الاستثمارات المحلية والأجنبية التي تبني دراسات جدواها على خطط طويلة الأجل.
كما أشار التقرير إلى أن خفض قيمة الدينار سيتسبب تلقائياً في زيادة كلفة العقود الحكومية لشراء السلع والخدمات المقومة بالعملة الأجنبية، مما يرفع النفقات التشغيلية للدولة ويدخل البلاد في دوامة “تخفيضات متتالية” دون ضمانات ماليّة مستدامة.
موجة تضخم وتعميق للفقر
وعلى الصعيد الاجتماعي، نبهت المؤسسة إلى أن غياب آليات الحماية الاجتماعية الكافية لدعم الطبقات الهشة يعني أن انخفاض العملة سيولد موجة تضخم حادة تدفع بشرائح واسعة من المواطنين إلى ما دون خط الفقر، فضلاً عن إدخال القطاع التجاري (الذي يمثل الحصة الأكبر من الناتج المحلي غير النفطي) في حالة شلل وركود، وهو ما سينعكس سلباً على فرص العمل ويفاقم معدلات البطالة بين الشباب.
واختتم رئيس مؤسسة “عراق المستقبل” حديثه بالقول: “إن تعديل سعر الصرف بمفرده ليس حلاً جذرياً، بل هو بمثابة تأجيل لأزمة أعمق. المشكلة الحقيقية تكمن في ثلاثة محاور رئيسية: التضخم المستمر في النفقات التشغيلية، شح الإيرادات غير النفطية، وخلل الميزان التجاري. والإصلاح الهيكلي الشامل يبدأ من معالجة هذه الجذور وليس عبر حلول منفردة ومؤقتة”.